محمد جواد مغنية

262

في ظلال نهج البلاغة

ينزل الكتاب للعباد عبثا ) عطف تفسير ، لأن الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب واحدة ( ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ) بل لتتجلى فيها قدرته وعلمه وجلاله وكماله . 77 - خذ الحكمة أنّى كانت ، فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره ، حتّى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن . المعنى : الحكمة عصارة أفكار العقلاء المجربين ، ومن شأنها أن تهدي للتي هي أقوم . وفيما مضى كان النفاق نعتا لمن يضمر الكفر ويظهر الإيمان ، واليوم يوصف به كل من أضمر شرا ، وأعلن خيرا ، ومعنى قول الإمام هو ان المنافق يمارس الحياة ويجربها كغيره من المجربين والعارفين ، ويستخرج الحكمة والحقيقة من تجاربه كأي عاقل ، وينطق بها من حيث يريد أو لا يريد ، لأن الحقيقة في حركة دائبة لا تستقر في مكان ، والمراد بالمؤمن هنا من يبحث عن الحق لوجه الحق ، هذا المؤمن رائده الحقيقة والحكمة يأخذها أنّى كانت وتكون ، حتى من الملحد والمنافق ، وينتفع بها في سلوكه ، أما المنافق فإنه يحسها وينطق بها ، ولكن لا تنفعه في كثير أو قليل ، لأنه يقول ولا يفعل ، ويفعل ما لا يقول ، ولا يتحرك ويتصرف إلا في الاتجاه المعاكس للحق والواقع . والمنافقون في عصرنا لا يحصون كثرة ، ومنهم الذين حوّلوا أقوات الخلائق إلى أسلحة الهلاك والموت بالجملة ، وهم يتسترون بكلمات الدفاع عن الحرية وصيانة السلم والمدينة ، ويصنعون سفن الفضاء للتجسس على الشعوب ويقولون : هي لمنفعة الإنسان وسعادته ، ولقضاء شهور العسل في القمر والزهرة ، وأيضا يقتلون الأحرار باسم القصاص من العناصر التي يسمونها « هدّامة » ، ويعتدون على الشعوب دفاعا عن الحدود الآمنة ولكن الحقيقة تخرق بقوتها الأسوار ، وتدور في الآفاق معلنة عن نفسها ، ويسمعها ويراها القريب والبعيد .